الشوكاني
510
فتح القدير
إنها في محل نصب بسقوط حرف الجر ، والتقدير فما لبث عن أن جاء : أي ما أبطأ إبراهيم عن مجيئه بعجل وما نافيه قاله سيبويه . وقال الفراء فما لبث مجيئه أي ما أبطأ مجيئه ، وقيل إن ما موصولة وهي مبتدأ والخبر أن جاء بعجل حنيذ والتقدير : فالذي لبث إبراهيم هو مجيئه بعجل حنيذ ، والحنيذ : المشوي مطلقا ، وقيل المشوي بحر الحجارة من غير أن تمسه النار ، يقال حنذ الشاة يحنذها : جعلها فوق حجارة محماة لتنضجها فهي حنيذ ، وقيل معنى حنيذ : سمين ، وقيل الحنيذ هو السميط ، وقيل النضيج ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، وإنما جاءهم بعجل ، لأن البقر كانت أكثر أمواله ( فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ) أي لا يمدونها إلى العجل كما يمد يده من يريد الأكل ( نكرهم ) يقال : نكرته وأنكرته واستنكرته : إذا وجدته على غير ما تعهد ، ومنه قول الشاعر : فأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا فجمع بين اللغتين ، ومما جمع فيه بين اللغتين قول الشاعر : إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها * خرجت مع البازي علي سواد وقيل يقال : أنكرت لما تراه بعينك ، ونكرت لما تراه بقلبك ، قيل وإنما استنكر منهم ذلك ، لأن عادتهم أن الضيف إذا نزل بهم ولم يأكل من طعامهم ظنوا أنه قد جاء بشر ( وأوجس منهم ) أي أحسن في نفسه منهم ( خيفة ) أي خوفا وفزعا ، وقيل معنى أوجس : أضمر في نفسه خيفة ، والأول ألصق بالمعنى اللغوي ، ومنه قول الشاعر : جاء البريد بقرطاس يحث به * فأوجس القلب من قرطاسه فزعا وكأنه ظن أنهم قد نزلوا به لأمر ينكره ، أو لتعذيب قومه ( قالوا لا تخف ) قالوا له هذه المقالة مع كونه لم يتكلم بما يدل على الخوف ، بل أوجس ذلك في نفسه ، فلعلهم استدلوا على خوفه بأمارات كظهور أثره على وجهه ، أو قالوه له بعد ما قال عقب ما أوجس في نفسه من الخيفة قولا يدل على الخوف كما في قوله في سورة الحجر - قال إنا منكم وجلون - ، ولم يذكر ذلك هاهنا اكتفاء بما هنالك ، ثم عللوا نهيه عن الخوف بقولهم ( إنا أرسلنا إلى قوم لوط ) أي أرسلنا إليهم خاصة ، ويمكن أن يكون إبراهيم عليه السلام قد قال قولا يكون هذا جوابا عنه - قال فما خطبكم أيها المرسلون . قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين - ، وجملة ( وامرأته قائمة فضحكت ) في محل نصب على الحال ، قيل كانت قائمة عند تحاورهم وراء الستر ، وقيل كانت قائمة تخدم الملائكة وهو جالس ، والضحك هنا هو الضحك المعروف الذي يكون للتعجب أو للسرور كما قاله الجمهور . وقال مجاهد وعكرمة : إنه الحيض ، ومنه قول الشاعر : وإني لآتي العرس عند طهورها * وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا وقال الآخر : وضحك الأرانب فوق الصفا * كمثل دم الخوف يوم اللقا والعرب تقول ضحكت الأرنب : إذا حاضت . وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت ( فبشرناها بإسحاق ) ظاهره أن التبشير كان بعد الضحك . وقال الفراء : فيه تقديم وتأخير . والمعنى : فبشرناها فضحكت سرورا بالولد . وقرأ محمد بن زياد من قراء مكة فضحكت بفتح الحاء . وأنكره